محمد بن جرير الطبري

108

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وإبليس والحية ، في الأرض قرار تستقرونه وفراش تمتهدونه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم العسقلاني ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ قال : هو قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وروي عن ابن عباس في ذلك ما : حدثت عن عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ قال : القبور . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر آدم وحواء وإبليس والحية إذ أهبطوا إلى الأرض ، أنهم عدو بعضهم لبعض ، وأن لهم فيها مستقرا يستقرون فيه ، ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرا في حال حياتهم دون حال موتهم ، بل عم الخبر عنها بأن لهم فيها مستقرا ، فذلك على عمومه كما عم خبر الله ، ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها وبعد وفاتهم في بطنها ، كما قال جل ثناؤه : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً وأما قوله : وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ فإنه يقول جل ثناؤه : ولكم فيها متاع تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا ، وذلك هو الحين الذي ذكره . كما : حدثنا عن عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ قال : إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا . والحين نفسه الوقت ، غير أنه مجهول القدر ، يدل على ذلك قول الشاعر : وما مراحك بعد الحلم والدين * وقد علاك مشيب حين لا حين أي وقت لا وقت . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ يقول تعالى ذكره : قال الله للذين أهبطهم من سماواته إلى أرضه : فِيها تَحْيَوْنَ يقول : في الأرض تحيون ، يقول : تكونون فيها أيام حياتكم ، وَفِيها تَمُوتُونَ يقول في الأرض تكون وفاتكم ، وَمِنْها تُخْرَجُونَ يقول : ومن الأرض يخرجكم ربكم ، ويحشركم إليه لبعث القيامة أحياء . القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرون للطواف اتباعا منهم أمر الشيطان وتركا منهم طاعة الله ، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعم به عليهم ، حتى أبدى سوآتهم وأظهرها من بعضهم لبعض ، مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به ، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوآتهما فعراهما منه : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يعني بإنزاله عليهم ذلك : خلقه لهم ، ورزقه إياهم . واللباس : ما يلبسون من الثياب . يُوارِي سَوْآتِكُمْ يقول : يستر عوراتكم عن أعينكم . وكنى بالسوآت عن العورات ، واحدتها سوأة ، وهي فعلة من السوء ، وإنما سميت سوأة لأنه يسوء صاحبها انكشافها من جسده ، كما قال الشاعر : خرقوا جيب فتاتهم * لم يبالوا سوأة الرجلة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا